مثلت عاصفة الحزم العسكرية التي أطلقتها دول التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، مرحلة مفصلية في المشهد السياسي اليمني، الذي عاني من اضطرابات عدة، نتيجة التحالف بين صالح والحوثيين لإجهاض العملية السياسية، والانقلاب على الشرعية المعترف بها دولياً.
وعندما انطلقت عاصفة الحزم في اليمن، كان موقف الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع في حالة طقس تملأه الصدمة، لم يكن متوقعاً أن تنطلق عمليات عسكرية ضد الانقلاب الذي حدث بمراحل متدرجة منذ سبتمبر/أيلول 2014م، واستيلاء ميليشيا موالية لإيران على اليمن بأهميته الجغرافية والاقتصادية والأمنية لدول شبه الجزيرة العربية، في وقت كانت السعودية تعيش انتقال السلطة من الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز إلى الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز، ظنّاً أن ذلك يبدو متأخراً.
تلك الصدمة ظهرت في تحركات الموالين لـ"صالح" وأنصار الجماعة المسلحة، خائفين يترقبون متى تحين النهاية الحتمية، لحظات صمت ورُعب مع الاستيلاء على الأجواء اليمنية في الساعة الأولى للطلعات الجوية لكن ذلك لم يكن مطلقاً قبل أيام قليلة من انطلاق العمليات العسكرية بطلب من الرئيس الشرعي للبلاد عبدربه منصور هادي.
تشنجات ما قبل العاصفة
يجب الإشارة إلى الحالة التي كان يعيشها الحوثيون و"صالح" قبل انطلاق العاصفة، وضع علي عبدالله صالح منفذ واحد للحكومة اليمنية الشرعية للخروج من عدن إلى "جيبوتي" في تصريحه الشهير في فبراير/شباط 2015م، فيما صَعد الحوثيون ضد المملكة العربية السعودية، ففي 26 فبراير/شباط 2015، القى عبد الملك الحوثي، خطابا خصصه للهجوم على السعودية، وألمح لتعديلات في العلاقات الخارجية لليمن، عندما تحدث عن "البدائل الدولية"، وبأن "اليمن لا يعاني عزلة دولية بل بات منفتحاً نحو أفق أوسع".
وفي 12 مارس/آذار 2015 أعلنت الجماعة عن بإجراء مناورات عسكرية بمعدات عسكرية ثقيلة على الحدود السعودية، وقال محمد البخيتي القيادي في الجماعة إن الحوثيين "سوف يحررون نجد والحجاز وأن قواتهم جاهزة لمواجهة أي هجوم سعودي وأنهم لن يتوقفوا إلا في الرياض".
الذِلة بعد يوم من العاصفة
انطلقت عاصفة الحزم بعد المناورة العسكرية بأسبوعين (26مارس/آذار) خرج علي عبدالله صالح بعد ذلك بيومين يقرأ بيان مناشدة بإيقاف العمليات مؤكداً أنه لن يترشح هو وأقاربه للرئاسة إذا توقفت عاصفة الحزم. وفي اليوم اللاحق للعاصفة ظهر عبدالملك الحوثي في كلمة بثها تلفزيون المسيرة يقول إن الحملة العسكرية التي تقودها السعودية غير مبررة داعياً أتباعه للمواجهة. وبعد عام على "عاصفة الحزم" قال عبدالملك الحوثي للسعودية: اتقوا الله لا تطمئنوا للموقف الأمريكي. فكيف اختلف تهديد الحوثي وصالح للمملكة والحديث عن البدائل (إشارة إلى إيران) مع هذا القدر من الجُبن والرعب بعد انطلاق العمليات العسكرية.
لاحقاً وبعد أن بدأ الحوثي وصالح يشعرون بانتهاء الصدمة والمفاجأة لانطلاق عاصفة الحزم، بدأوا مرحلة جديدة من العبث في المواقف والمراوغة، رفضوا قطعياً قرار مجلس الأمن (2216) الصادر في ابريل/نيسان 2015م، واستمروا برفضه وادانته حتى أغسطس/آب 2015م قدموا ورقة تعلن اعترافهم بالقرار واستعدادهم للتعامل من أجل تنفيذه؛ والقرار يجبرهم على الانسحاب من المدن وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للسلطات الشرعية في البلاد. لكنهم كالعادة دخلوا مرحلة جديدة من المراوغة والعبث بشأن القرار وصولاً إلى عادة رفضه مجدداً برفض تسليم الأسلحة والانسحاب من المدن.
لجأت جماعة الحوثي الى الانتقام من الخصوم السياسيين وقامت بحملة اعتقالات في الخامس من ابريل/ نسيان 2015م بحق قيادات سياسية في حزب التجمع اليمني للإصلاح بينها القيادي محمد قحطان واخرين كردة فعلا لعاصفة الحزم التي حدت من غرور الجماعة وممارسة للغطرسة على امتداد البلاد للانتقام من يعارضه في مشاريعهم التي قادت البلاد على منعطف خطير.
اعقبها تلك الخطوات توعد وسائل الاعلام وشنت عملة شعواء على وسائل الاعلام واعتقلت العديد من الصحفيين واقتحمت مقرات صحف وقنوات تلفزيونية وحجبت المواقع الالكترونية، كان كل ذلك دليلا واضحا على فقدان جماعة الحوثي توازنها وانزعاجها الشديد من النقد التي جعلها في مرمى الاعلام المحلي والخارجي.
وفي سياق ردود الفعل التي ابدتها جماعة الحوثي أغلق الحوثيين مكاتب العديد من الصحف المحلية والقنوات الفضائية، واختطفت العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية والحقوقية، ولايزال بعضهم قيد الاختطاف منذ ثلاث سنوات.
كما اقتحم مسلحو الجماعة مكتب قناة الجزيرة الفضائية في العاصمة صنعاء، وقناتي سهيل ويمن شباب المحليتين، وقامت الجماعة التي تسيطر على وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بحجب العديد من المواقع الإخبارية المحلية خصوصا تلك المناوئة لها، ويشتكي اعلاميون وناشطون من تدهور خدمة الإنترنت في اليمن، بشكل غير مسبوق، وكشفت مصادر مطلعة ان الحوثيين يعتزمون حجب مواقع التواصل الاجتماعي، وايقاف خدمات الانترنت في اليمن نهائياً.
مواقف خائبة
بعد اعلان عاصفة الحزم أكد حزب المؤتمر، الذي يرأسه علي عبدالله صالح، رفضه لعملية عاصفة الحزم، وقال ان ما يحدث في اليمن شأن داخلي ونتيجة صراع بين بعض الاطراف لا علاقة للمؤتمر به.
وأضاف الحزب في بيان انه يرفض القوة لتحقيق مكاسب سياسية، ويدعو الى وقف الاعمال العسكرية من جميع الأطراف، كما يدعو الى وقف أي اعمال عسكرية نحو عدن حرصاً على مواطني عدن وعلى الوحدة الوطنية، وحفاظاً على السلم والأمن الدوليين، حسب بيان صدر وقتها.
اما زعيم جماعة الحوثيين عبد الملك الحوثي في خطاب له إن جماعته ستلجأ إلى إعلان خيارات محددة ومفتوحة إذا لم تتوقف الضربات العسكرية، وأضاف الحوثي: "أنصحكم أن تتوقفوا الآن وكفى ما فعلتم في اليمن، وإلا فكل الخيارات ستكون مفتوحة، وهناك ملفات يمكن أن تفتح إذا أردتم احتلال اليمن، وإذا لم يتوقف هذا العدوان الغاشم والسافر وغير المبرر فسنعلن عن خيارات عملية نثبتها على أرض الميدان".
ودعا الحوثي إلى تكوين جبهة داخلية وخارجية لمواجهة الوضع الأمني الداخلي في البلد ومواجهة الضربات الجوية على اليمن، مضيفا أن الجبهة الداخلية ستشمل 5 اتجاهات أمنية ولوجستية وإعلامية وسياسية وتعبويه.
سلوك عدواني
استغلت جماعة الحوثي والمخلوع صالح العمليات العسكرية التي تستهدف انقلابها لحشد اليمنيين في الداخل في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وجرى تسويق تلك العمليات باعتبارها عدوانا يستهدف اليمنيين جميعهم.
وفي سبيل ذلك مارست المليشيا الانقلابية صنوفا من التنكيل بحق من يعارضها سياستها داخل اليمن، فقتلت مجموعة كبيرة من الشخصيات تحت دعاوى عديدة، ووصل الامر الى وضع بعضها كدروع بشرية للطائرات، ووضع المئات في السجون والزنازين.
على المستوى الشعبي سعت المليشيا الانقلابية الى استغلال العمليات العسكرية لاعادة الشرعية في استنزاف ارصدة الحكومة البنكية، وابتزاز رؤوس الاعمال والتجار، والخصم من مرتبات موظفي الدولة، وإلزام الشعب بالتبرع لصالح تحركاتها العسكرية، حتى انهار البنك المركزي اليمني، وعجزت المليشيا نفسها في دفع مستحقات موظفي الدولة، وتسبب ذلك في تردي الوضع الإنساني، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وجعلت المليشيا الانقلابية من العاصفة ستارا لتمددها الطائفي ونشر افكارها الطائفية في أوساط اليمنيين، وخاصة طلاب المدارس، والجيش، والأمن.
مظهر الحوثي - صالح
يحاول الحوثي وصالح بعد مرور عامين على انطلاق عاصفة الحزم الظهور بمظهر المنتصر، مع أنهم خسروا عسكرياً أمام القوات الحكومية والقوات في معقل الحوثيين، وفي تخوم محافظة صنعاء، كما أنها تتوجه نحو ميناء الحديدة؛ وخسروا شعبياً بعد حملات التعسف والقمع والعبث والنهب للمال العام في الدولة، إضافة إلى اشتداد الخلافات بين التحالف الحرب الداخلية الذي يتوسع كلما طال أمد العمليات العسكرية ضد ميليشياتهم في البلاد.
يعتمد الحوثيون وعلي عبدالله صالح من أجل مواجهة العمليات العسكرية التي تقودها الحكومة اليمنية مدعومة من التحالف على تأجيج المأساة الإنسانية لاستعطاف المجتمع الدولي، من أجل الضغط لإيقاف وقف إطلاق النار. ومع ذلك فشل الحوثيون وصالح في تسويق تلك المآسي التي تسببوا بها من أجل الحصول على منفذ آخر للخروج من البلاد.
يفقد تحالف (الحوثي/صالح) القدرة على البقاء ضمن تحالفهم التكتيكي، مع تواصل انهياراتهم العسكرية والشعبية منذ الطلعة الأولى لعاصفة الحزم في اليمن، فكما ظهروا في موقف الخوف سيظهرون اتباعاً في موقف الهزيمة والاستسلام أشد فجاجة ومكراً من الثعالب.
قاري نت ... الصحف نت http://ift.tt/2nYyEOE
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق