في إطار سعيها إلى تطبيق رؤية 2030 التي تمثل مستقبل السعودية في مرحلة ما بعد النفط والسعي إلى تكوين شراكات وتحالفات استراتيجية جديدة، اتجهت الرياض إلى الشرق حيث يجري ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان غدا الاثنين جولة نحو الشرق في الصين واليابان، عقب جولة سابقة إلى الغرب، بحثا عن داعمين وشركاء اقتصاديين لخطة التحول الاقتصادي وعملية إعادة الهيكلة، فالشراكة الغربية والآسيوية تعد عامل مهم لإنجاح خطة الإصلاح الاقتصادي السعودي.
فالسعودية تثمن دور طوكيو وبكين في الانضمام إلى الفرص الاستثمارية الضخمة ببرامج إعادة هيكلة الاقتصاد، ودورهما في إمكان نقل التكنولوجيا وتوطينها ما سيوفر دفعاً قوياً للخطط السعودية الجادة بحسب مراقبين، في المقابل فإن الاقتصاد السعودي لديه إمكانات ضخمة وفرص واعدة، وتعد السعودية أكبر مزود بالنفط للصين، التي تعد أكبر مستهلك للطاقة في العالم.
جولة استراتيجية لـ"بن سلمان"
تشكل زيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرسمية إلى الصين غدا (الاثنين)، وتليها اليابان، التي تعتبر الأولى له منذ تعيينه في هذا المنصب أهمية كبرى، إزاء تعزيز الشراكة الإستراتيجية مع بكين وطوكيو، إذ تتابع الأوساط العالمية والصينية واليابانية، التحرك الذي تقوده السعودية في إطار السعي لتعزيز التحالفات السياسية والاقتصادية والنفطية والشراكة مع البلدين، في إطار دبلوماسية التوجه للشرق؛ لتطوير علاقات الصداقة المشتركة، وتعزيز الاستقرار والسلم العالميين، ومكافحة الإرهاب.
وكشفت مصادر صينية رفيعة في تصريحات صحيفة اليوم إن ولي ولي العهد سيغادر بكين إلى اليابان بعد زيارة تستغرق ثلاثة أيام، ثم يعود إلى العاصمة الصينية مرة أخرى؛ ليترأس وفد المملكة في اجتماعات قمة مجموعة العشرين، نيابة عن العاهل السعودي الملك سلمان، والتي ستعقد يومي الرابع والخامس من سبتمبر في مدينة «هانغتشو»، إذ يقدم فيها رؤية 2030 الإستراتيجية أمام قادة دول العشرين، إضافة إلى التوجهات السياسية والاقتصادية السعودية محليا وإقليميا وعالميا.
وأفادت المصادر الصينية بأن السعودية، بصفتها الدولة العربية الوحيدة المشاركة في مجموعة العشرين، سيكون لها دور مؤثر في تطوير آلية قمة المجموعة، مشيرة إلى أن الصين تقدر عاليا مشاركة المملكة الفاعلة في القمة، وترحب بمشاركتها وتتطلع إلى بذل الجهود المشتركة للتوصل إلى نتائج إيجابية تخدم مصالح العالم.
مذكرات تفاهم بقطاعات حيوية
ولفتت المصادر إلى أن ولي ولي العهد سيشهد خلال زيارته إلى بكين التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم التي وافق عليها مجلس الوزراء أخيرا، وتتضمن: مذكرة تفاهم للتعاون في قطاع الثروة المعدنية وقطاع الطاقة، ومجال تخزين الزيت، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال موارد المياه، وبرنامج تعاون فني، ومشروع البرنامج التنفيذي لإنشاء المركز السعودي الصيني لنقل التقنية.وسيرأس الأمير محمد بن سلمان الاجتماع الأول للجنة المشتركة السعودية - الصينية.
مبادرة طريق الحرير
يشار إلى أن السعودية قد وقعت أثناء زيارة الرئيس الصيني للسعودية في العام الحالي العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم حول تعزيز التعاون في شأن الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، ومبادرة طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، والتعاون في الطاقة الإنتاجية والعلوم والتقنية والملاحة بالأقمار الصناعية، وإقامة آلية للمشاورات حول مكافحة الإرهاب، والتعاون في المجال الصناعي والطاقة المتجددة، والتعاون لإقامة المفاعل النووي ذي الحرارة العالية والمبرد بالغاز.
من جانبه سيعقد الأمير محمد بن سلمان اجتماعات تفصيلية مع القادة الصينيين بهدف تبادل الآراء حول تعميق التعاون بين البلدين في مجالات السياسة والدبلوماسية و«الحزام والطريق» والتجارة والطاقة والاستثمار والشؤون العسكرية، وبحث سبل تطوير التعاون المشترك والمستجدات السياسية في المنطقة.
وأشارت المصادر إلى أن أهمية طريق الحرير الجديد تنبع من اسم المبادرة والمناطق التي يعمل على ربطها باعتباره حزاما اقتصاديا يوسع مجالات التبادل الاقتصادي والثقافي ما بين الصين والدول الأخرى، حيث يبدأ الطريق من روسيا، مرورا بآسيا الوسطى، انتهاء بغرب وجنوب آسيا، وستكون اطاقة هي المحور الأساسي للتبادل الاقتصادي بين دول طريق الحرير. وكون السعودية المخزن الأهم للنفط، فإن دورها سيكون كالعادة محوريا في التوازنات الإقليمية، وبذلك تكون السعودية البوابة لنجاح وتقوية القيمة الاقتصادية للطريق البحري.
تعميق الشراكة مع اليابان
سيبحث الأمير محمد بن سلمان أيضا مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في اليابان سبل تعميق الشراكة الإستراتيجية مع طوكيو في جميع المجالات، وطرح آفاق التعاون بين البلدين حيال تنفيذ رؤية 2030 من خلال تقليل الاعتماد على النفط وإيراداته. وأكدت مصادر يابانية أن طوكيو تولي زيارة الأمير محمد بن سلمان أهمية قصوى، كونها الأولى، ولانعكاساتها الإيجابية إزاء تطوير الشراكة مع السعودية.
لماذ تتجه الرياض شرقا؟
من جهته أشار الكاتب "جميل الذيابي" إلى أن ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز يستأنف جولاته – بعد رحلات ناجحة للولايات المتحدة (واشنطن، سان فرانسيسكو، نيويورك) وفرنسا – بزيارة إلى بلاد الشمس المشرقة (اليابان)، وأكبر مستهلك للطاقة في العالم (الصين). وتلتقي جولة بن سلمان الجديدة مع سابقاتها في الحرص على عرض مضامين مشروع «رؤية السعودية 2030»، وإقناع الدولتين اللتين تقيمان علاقات صداقة وطيدة، وشراكة تجارية كبيرة مع المملكة، وحض زعماء الدول الـ20 الأكبر اقتصاداً في العالم على مساندة مساعي السعودية لتنويع مصادر دخلها الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد على النفط وحده.
رؤية 2030 ومستقبل السعودية
أضاف "الذيابي" في مقال بعنوان " السعودية تتجه شرقاً" بصحيفة "عكاظ" اليوم قبيل بدء الجولة غدا الاثنين "لا يلوح في الأفق ما يشي بأن أهداف هذه الجولة ستواجه أي صعوبات تذكر، إذ إن الشراكة الغربية والآسيوية هي سر النجاح الذي بنيت عليه تقديرات خطة الإصلاح الاقتصادي السعودي، التي تتطلب إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد الوطني، ما يتطلب مهمات كبيرة على القطاعين العام والخاص، وما تستهدفه الهيكلة، من تطوير واستقرار، ومواكبة للعالم من حولنا."
كيف تطورت العلاقات الاقتصادية شرقا
يعد التبادل التجاري مع اليابان عريقاً ومستمراً منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1955، بينما العلاقات مع الصين تعد حديثة نسبياً، إذ أنشئت في عام 1990. لكنها سرعان ما نمت، خصوصاً على صعيد التبادل التجاري. وأضحى للشركات الصينية وجود ملحوظ في أسواق المملكة. كما أن عدداً لا بأس به من الطلاب السعوديين يدرسون في الصين.
دعم برامج إعادة الهيكلة
ويرى "الذيابي" أنه من المؤكد أن الرياض تعول كثيراً على دور لكل من طوكيو وبكين في الانضمام إلى الفرص الاستثمارية الضخمة التي تنطوي عليها برامج إعادة هيكلة الاقتصاد. ويعد دور البلدين الصديقين في إمكان نقل التكنولوجيا وتوطينها سيوفر دفعاً قوياً للخطط السعودية الجادة.
السعودية أكبر مزود بالنفط للصين
وتتضح الأهمية التي تعلقها الرياض على التعاون مع بكين برأيه من خلال معرفة أن المملكة تعد حالياً أكبر مزود بالنفط للصين، التي تعد أكبر مستهلك للطاقة في العالم. ولا شك في أن للمملكة استثمارات ناجحة تتمثل في مشاريع الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في الصين، وهي تجربة تؤكد ضمان نجاح مزيد من المشاريع المشتركة، وإن كان التركيز ينصرف هذه المرة إلى الاستثمارات الصينية في الفرص الكبيرة التي تتيحها رؤية 2030، خصوصاً توطين التكنولوجيا، بما يوفر إمكان بناء هياكلَ وأُطرٍ اقتصادية رقمية حديثة قادرة على تلبية متطلبات السعودية، وتحقيق المنفعة المنشودة من الجانب الصيني والياباني.
وقال "الذيابي" الأكيد أن دبلوماسية ولي ولي العهد التي عايشنا ديناميكيتها في أمريكا ثم فرنسا وفي زيارات رسمية سابقة ستكون مفتاح النجاح لرحلتي الصين، وزيارة اليابان. وهي دبلوماسية تقوم على الصراحة، والصدق، وتأكيد المكاسب المشتركة، بما يخدم مصالح المملكة وكلا الدولتين اللتين لم تشب علاقاتهما مع الرياض شائبة منذ تأسيسها.
إمكانات الاقتصاد السعودي
ونبه إلى أنه على رغم من وجود تباين في وجهتي النظر بين الرياض وبكين حول بعض المواقف السياسية، فإن ذلك لم يؤثر في العلاقة بين البلدين، لكونهما يعملان سوياً على تجاوز التباينات بما يمكّن العلاقة من الاستمرار والقوة!
ويذهب الأمير محمد بن سلمان إلى هناك والعالم كله يعرف حجم وأهمية وإمكانات الاقتصاد السعودي، التي أهلت المملكة للانضمام إلى نادي الدول ذات الاقتصادات الكبرى، التي رحبت – واحدة تلو الأخرى - بتصميم الرياض على إعادة هيكلة اقتصادها لتعزيز دورها في الاقتصاد العالمي، وتحقيق الرفاهية المنشودة لمواطنيها، لذلك كان لا بد من السفر شرقاً كما كان غرباً!
صحافة نت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق