منذ وقت مبكر لاستعدادات الحوثيين لاجتياح العاصمة اليمنية صنعاء قبل (سبتمبر/ أيلول 2014) كان دور سلطنة عُمان حاضراً، وحتى بدء العمليات العسكرية للتحالف العربي نأت بنفسها عن المشاركة في التدخل العسكري, الذي قادته السعودية لدعم شرعية الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ضد المتمردين الحوثيين, المدعومين من إيران، كاستثناء وحيد بين دول مجلس التعاون الخليجي.
السياسة الخارجية العُمانية دائمًا مبنيةً على أساس النأي بالبلاد عن الصراعات الدولية والإقليمية، وتجنب النزاعات التي لا تعنيها وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والإيمان بالحوار والحلول السلمية، والتعامل ببراغماتية بعيدة عن العواطف والأدلجة. وتعتقد مسقط أن الدخول في خضم صراعات كهذه، مقامرة بالأمن الداخلي العُماني، وتقويض لنهجها الذي تسير عليه منذ عقود، وللمكاسب التي حققتها من ورائه إقليميًا ودوليًا.
الدور العُماني في المفاوضات
ووفق ذلك المبدأ القائم على الحوار وتجنب معاداة أي طرف في الشعب اليمني، قدمت السلطنة الكثير من المبادرات، بحسب ما تشير به الأحداث والوقائع, تابعها "مُسند للأنباء" فقد قدمت سلطنة عمان وساطتها في اتفاق السلم والشراكة الذي جرى التوقيع عليه ليلة سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في (21سبتمبر/أيلول 2014). كما أن السلطنة حاولت تقديم مبادرة بعد تقديم الرئيس اليمني ورئيس الوزراء الاستقالة في (فبراير/شباط2015) عندما كان الحوثيون يحاصرون عبدربه منصور هادي في منزله، والتي كانت تقوم على أساس تكوين مجلس رئاسي يكون برئاسة هادي.
ورغم نجاح الوسيط العماني في اتفاق السلم والشراكة, إلا أنه فشل في إقناع الجميع بوساطته في فبراير/ شباط2015م، ولاحقاً كشف -خلال مقابلة صحفية- الدكتور عبد الكريم الإرياني السياسي اليمني المعروف الذي توفي العام الماضي، أن الوسيط العماني (من مكتب السلطان قابوس) كان يذهب إلى إيران ويعود محملاً بمجموعة نقاط, كان ممثلو الحوثي يوافقون عليها مباشرة.
في أبريل/ نيسان 2015، بعد شهر من بدء العمليات العسكرية للتحالف تقدمت السلطنة بمبادرة أعلنت عنها تتضمن 7 نقاط، هى: «انسحاب الحوثيين وقوات الرئيس السابق على عبدالله صالح من جميع المدن، وإلزامهما بإعادة العتاد العسكرى للجيش، وعودة السلطة الشرعية إلى اليمن برئاسة الرئيس عبدربه منصور هادى، والمسارعة بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية فى أقرب وقت، والتوافق على حكومة جديدة تضم جميع أطياف الشعب اليمنى وأحزابه، وتحول جماعة الحوثيين إلى حزب سياسى يشارك فى الحياة السياسية بطرق شرعية، وعقد مؤتمر دولى للمانحين بهدف مساعدة الاقتصاد اليمنى، وأخيراً تقديم اقتراح بإدخال اليمن ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجى».
لم تلق هذه المبادرة صدى سوى بترحيب إيراني في ذلك الوقت، وما لبثت أن اختفت المبادرة مع استمرار الحرب داخل البلاد، ومع ذلك كانت السلطنة تحاول إعادة الاستقرار إلى جوارها الجغرافي، مبدية قلقها من تأثر الاقتصاد والسياسة الداخلية لـلسلطنة بسبب الأحداث وتسارعها.
مثلت مسقط نقطة التقاء للحوثيين ومكاناً للعبور عبر طائرات الأمم المتحدة, خلال خروجهم للمشاورات مع الحكومة اليمنية، كما كانت السلطنة مكاناً لمشاورات خلفية (في الظل) تضم دبلوماسيين غربيين ومشاورات تضم وفد الانقلابيين مع هؤلاء المسؤولين.
في سبتمبر/ أيلول الماضي، نشرت وسائل إعلام إيرانية أن ملف الوساطة انتقل من الأمم المتحدة إلى سلطنة عمان بعد فشل الأمم المتحدة في تحقيق تقدم في مشاورات الكويت, التي انتهت في أغسطس/ آب، متوقعة دوراً أكثر إيجابية مع ترحيب واسع من فريق حلفاء الحرب في صنعاء.
عادت مسقط مجدداً للتوسط في إنهاء الصراع في اليمن، وشاركت في صياغة رؤية (أمريكية) قدمتها الأمم المتحدة, والتي قوبلت برفض حكومي فيما حضت بترحيب الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق، وعادة ما توجه الانتقادات لـلسلطنة بكون مبادراتها تخدم الحوثيين في المقام الأول وتشير إلى الكثير من نقاطهم.
انتكاسة الدور العُماني
مثلت الرؤية العُمانية- الأمريكية الجديدة انتكاسة لدورها السابق في الحوار اليمني وظهرت بموقف الداعم للحوثيين، واتهمت الحكومة اليمنية البلدين بالإعلان عن اتفاق لم يتم التشاور معها فيه، فقد أبقت سلاح جماعة الحوثي حتى تشكيل حكومة, فيما استهدفت شرعية الرئيس هادي, وأشارت إلى نقل كل الصلاحيات إلى نائب يتم الاتفاق عليه، وكانت تلك خارطة الطريق التي تقدم بها إسماعيل ولد الشيخ أحمد للأطراف اليمنية.
منذ بدء المشاورات بات الموقف العماني محل تقدير وامتنان الحليفين البارزين في صنعاء (الحوثي-صالح)، نظراً لحفاوة الاستقبال, الذي يحظى به الوفد المفاوض التابع للحوثي وصالح المقيم في أفخم فنادق السلطنة بالعاصمة مسقط، بالإضافة الى الدعم الإنساني والطبي, الذي يقدمه العمانيون فيما يتعلق بمعالجة الجرحى واستقبالهم في مستشفياتهم.
يشير الموقف الرسمي للسلطات اليمنية, وإن كان غير معلن بأن عمان تبدو حاضناً لطرفي الانقلاب بعدما أصبحت نافذة مهمة, مكنتهم من إجراء اتصالات مختلفة على المستوى الخارجي، بما في ذلك مع إيران والكيانات المرتبطة بها في المنطقة كـ"حزب الله"، والحكومة العراقية المعروفة بتبعيتها لطهران.
وعادة ما تجري توجيه اتهامات للسلطنة بغض الطرف عن تهريب السلاح الإيراني, عبر أراضيها إلى المسلحين الحوثيين في اليمن، ففي 18 من أيلول/ سبتمبر الماضي على لسان حاكم محافظة مأرب الغنية بالنفط (شمال شرق)، سلطان العرادة، الذي تحدث لـصحيفة "الحياة" السعودية عن ضبط القوات الحكومية في المدينة شحنة أسلحة مهربة كانت على متن ثلاث شاحنات لوحاتها التعريفية عمانية في طريقها إلى مسلحي جماعة الحوثي في صنعاء.
نشاط التهريب قد لا يكون إرادة حكومية عمانية، لكنه على ما يبدو أن أجزاء من السلطنة لا تخضع للرقابة الكافية من قبل السلطات هناك، وهو الأمر الذي مكن إيران من "تكوين لوبي تابع لها" وإقامة علاقة أوسع مع السلطات المحلية والعشائرية في "ظفار" الحدودية مع اليمن, وهي المحافظة التي لم تدخل طوعاً ضمن السلطنة حتى العام (1975م).
وتعرف عُمان بدرورها في الإفراج عن الرهائن، فهي محتكرةً سوق الإفراج عن الأجانب المختطفين لدى الحوثيين أو تنظيم القاعدة منذ مارس/ آذار العام الماضي، وسهلت الإفراج عن رهائن أمريكيين وبريطانيين وفرنسية.
تخوفات عُمانية
بالمقابل فالسلطنة تقول إنها تريد حلاً عاجلاً للأزمة في اليمن، يضمن الاستقرار الدائم لجوارها (الجنوبي)، فهي تستقبل 52 ألف لاجئ يمني في أراضيها منذ مارس/آذار، حسب الأمم المتحدة، وحسب مصادر محلية في محافظة المهرة تحدثت لـ"مُسند للأنباء" فقد بدأت السلطنة مواجهة التمدد الإماراتي في المحافظة بمنح امتيازات للقبائل المحادة لها بالدخول والخروج من السلطنة بواسطة بطائق تم توزيعها.
المصادر المسؤولة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها أشارت إلى أن مسقط أبدت مخاوفها لزعماء القبائل من نشاط الهلال الأحمر الإماراتي في محافظة المهرة الحدودية وجزيرة سقطرى، وتخشى السلطنة من استخدام توسع سياسي وسيطرة أمنية لأبوظبي على المحافظة كما جرى في بقية المحافظات (أبين وعدن وحضرموت) وتبدأ العاصمة الإماراتية بإقلال سكنية عمان وتهديد أمنها القومي.
يظهر أن العلاقات السيئة- البعيدة - لسلطنة عمان مع مجلس التعاون الخليجي والعلاقات الجيدة مع إيران هو ما أدى إلى طباع عُمانية قريبة من الحوثيين في وقت تبتعد الحكومة اليمنية حتى عن تطمين السلطنة لما يحدث في المهرة، إضافة إلى حالة التردد الخليجي المستمر في الملف اليمني، بين حل سياسي قائم على المفاوضات والحسم العسكري المواجهة للحوثيين.
لعبت العلاقات العُمانية الإيرانية دوراً مهما في تآكل الحصار الدولي والإقليمي على إيران، واعتبر البعض تلك العلاقات باباً خلفياً يمكن السعودية من الخروج من الأزمات المعقده لربط الرياض بطهران، بينما فسرها آخرون على أنها محاولة من عُمان للتخلص من الهيمنة السعودية.
يعلق كريستيان كواتس ألريتشسن الباحث في جامعة رايس في كلية السياسة العامة المرتبطة، وأستاذ زائر في كلية هنري جاكسون للدراسات الدولية في جامعة واشنطن، بالقول: "في الواقع، فإنه لا ضرورة لأن يكون أي من التحليلين هو الصحيح، وأن ما نراه هو ليس إلا تطورا لعلاقات امتدت عقودا أكثر منها ثورة على الشواطئ الجنوبية الشرقية للخليج".
وأشار كواتس ألريتشسن إلى أن العلاقة المتبادلة بين البلدين تمتاز بدرجة من العمق التاريخي والدفء الذي يميز عُمان عن بقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك قطر.
موقفها لم يتغير خلال حكم السلطان قابوس
تعي مسقط حجم التهديد الذي يعيش فيه جوارها اليمني (جوار مضطرب- وكثافة سكانية كبيرة)، لذلك وضعت خياراتها في اليمن موضع (حياد) -على الأٌقل من وجهة نظر السياسة الخارجية- كما كان موقفها هو ذاته في القضايا العربية المستمرة فهي لم تقاطع الرئيس المصري الراحل، «أنور السادات»، بعد الاتفاق مع إسرائيل في كامب ديفيد، كما وقفت على الحياد خلال الحرب العراقية الإيرانية. وتمتعت عمان بعلاقات جيدة مع إيران منذ زمن نظام الشاه، حيث استعانت السلطنة بخدمات إيران في مواجهة ثورة ظفار. ورغم أن الثورة الإيرانية قد أثارت المخاوف لدى عمان أيضا، ما دفعها للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي الذي تشكل عام 1981 كاستجابة في جزء كبير منه للمتغيرات في طهران، إلا أنها قد آثرت التعامل مع هذه المخاوف بشكل مختلف.
يمكننا الحديث عن تقارب إيراني- عُماني إلا أن السياسة الخارجية العُمانية بُنيت باستقلالية فريدة، وتجيد العمل في الظل، فهي كما رفضت الانخراط في التحالف العربي ورفضت المشاركة في العملة الخليجية الموحدة ورفضت الاشتراك في اتحاد كامل بين دول الخليج (2013)، فهي تدين اعتداءات إيران في المنطقة العربية، وتشترك في تحميلها المسؤولية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، في كل التوافقات العربية. علاوة على ذلك تسببت حرب الخليج الثانية (1990-1991) في توتر العلاقات بين مسقط وطهران بعد قيام الأخيرة بالتعرض لناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، وكذلك نشرها للصواريخ المضادة للسفن بالقرب منه؛ مما حدا بعُمان إلى تكثيف تواجدها العسكري في مسندم، المطلة على مضيق هرمز، والتي تبعد مسافة لا تتجاوز الستين كيلومترًا عن الحدود الإيرانية.
لذلك لا تظهر سلطنة عُمان بهذا المظهر إلا خدمة لسياستها الخارجية وإن وجدته مع الحكومة اليمنية ستتخلص من اقترابها من الحوثيين، وبقاء سياستها مع دول الخليج على هذا الحال لعدة أسباب:
إن حدثت حرب بين الولايات المتحدة وإيران فستكون سلطنة عمان (حليفة واشنطن) في موقف صعب في خياراتها، وستتحول أراضي ومياه السلطنة إلى مكان حرب تثير الكثير من الكوارث الداخلية ضد نظام الحكم وضد المواطنين.
تملك سلطنة عمان نزاعات حدودية مع جيرانها الخليجين (السعودية والإمارات) وهذه النزاعات ماتزال مستمرة ولم تخمد في أروقة الدبلوماسية بين البلدان، وهو ما جعل السلطنة تعتمد على الغاز الإيراني وليس الخليجي.
انفتاح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي بين عُمان وإيران مع رفع العقوبات المفروضة على طهران، وهو أمر مهم جدًا للاقتصاد العُماني في هذه المرحلة.
فيما يخص اليمن تخشى سلطنة عُمان من حملات الاستقطاب الخليجي في المهرة وحضرموت وسقطرى، بعد أن استطاعت تطبيع علاقتها بزعماء القبائل هناك وضلت الحدود آمنة بعيدة عن التهريب في ظل غياب سلطة قائمة.
مُسند للأنباء
اخبار اليمن
صحافة نت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق